أبي الفرج الأصفهاني

38

الأغاني

4 - أخبار محمد بن عبد الملك الزيات ونسبه اسمه ونسبه : هو محمد بن عبد الملك الزيات بن أبان بن أبي حمزة الزيات ، وأصله من جبّل [ 1 ] ويكنى أبا جعفر . وكان أبوه تاجرا من تجار الكرخ المياسير ، فكان يحثّه على التجارة وملازمتها ، فيأبى إلا الكتابة وطلبها ، وقصد المعالي ، حتى بلغ منها أن وزر ثلاث دفعات ، وهو أوّل من تولى ذلك وتمّ له . أخبرني الأخفش عليّ بن سليمان قال : حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال : كان جدّي موسرا من تجار الكرخ ، وكان يريد من أبي أن يتعلَّق بالتجارة ، ويتشاغل بها ، فيمتنع من ذلك ويلزم الأدب وطلبه ، ويخالط [ 2 ] الكتاب ، ويلازم الدّواوين ، فقال له ذات يوم : واللَّه ما أرى ما أنت ملازمه ينفعك ؛ وليضرّنّك ؛ لأنك تدع عاجل المنفعة ، وما أنت فيه مكفيّ ، ولك ولأبيك فيه مال وجاه ، وتطلب الآجل الذي لا تدري كيف تكون فيه . فقال : واللَّه لتعلمنّ أيّنا ينتفع بما هو فيه ؛ أأنا أم أنت ؟ ثم شخص إلى الحسن بن سهل بفم الصّلح [ 3 ] ، فامتدحه بقصيدته التي أولها : كأنها حين تناءى خطوها أخنس موشيّ الشّوى يرعى القلل [ 4 ] فأعطاه عشرة آلاف درهم ، فعاد بها إلى أبيه ، فقال له أبوه : لا ألومك بعدها . على ما أنت فيه . دخوله على الحسن بن سهل : أخبرني جحظة والصّوليّ ، قالا : حدّثنا ميمون بن هارون : قال : لما مدح محمد بن عبد الملك الحسن بن سهل ، ووصله بعشرة آلاف درهم مثل بين يديه وقال له : لم أمتدحك رجاء المال أطلبه لكن لتلبسني التّحجيل والغررا وليس ذلك إلا أنّني رجل لا أطلب الورد حتى أعرف الصّدرا وكان محمد بن عبد الملك شاعرا مجيدا ، لا يقاس به أحد من الكتاب ، وإن كان إبراهيم بن العباس مثله في ذلك ، فإن إبراهيم مقلّ وصاحب قصار ومقطَّعات ، وكان محمد شاعرا يطيل فيجيد ، ويأتي بالقصار فيجيد ، وكان بليغا حسن اللفظ إذا تكلَّم وإذا كتب .

--> [ 1 ] جبل : قرية مقابلة لقرية دسكرة غربي بغداد . [ 2 ] في س ، ب : « يخاطب » . بدل « يخالط » . [ 3 ] فم الصلح : موضع على نهر الصلح وهو نهر كبير فوق واسط ، بينها وبين جبل عليه عدة قرى . والصلح كانت دار الحسن بن سهل . [ 4 ] أخنس : ثور وحشي ، وموشي الشوي : ملون الأطراف .